user {"en":"Admin","ar":"Admin"}
19th Jan, 2026 9:23 AM
التحليل النفسي

زَوَالُ الْوَهْم: التَّحْلِيلُ النَّفْسِي بَيْنَ الأَلَمِ وَالْمَسْؤُولِيَّة

زوال الوهم

قد يظنّ بعضهم أن عمليّة التحليل النفسي هي عمليّة علاج طبّي، إذ يحاول المُعالج أن يخفّف بمختلف الوسائل آلام طالب العلاج. وكي اكون صريحاً، من الضروري أن أوضح أن من ينتظر ذلك من العلاج، لا أنصحه بالاقتراب من التحليل النفسي.

التحليل النفسي مغامرة شاقّة ليست لمن لا يحتمل الألم الشافي. فهو تجربة ألم وصبر وضياع وانتظار، قد تلحق بها قيامة.

ومن أصعب ما يمكن اكتسابه في التحليل النفسي وتحمّله، زوال الوهم. ذلك الوهم الّذي يبني المرء كلّ حياته على أساسه، فيأتي التحليل النفسي ويدمّره تدميراً. ومن لا يحتمل ذلك لن يكتسب ما يمكن للتحليل النفسي توفيره.

يمكننا على الصعيد النظري تقسيم هذه الأوهام إلى خمسة:

 

أولاً: وهم المجّانية

سوف يكتشف من يخوض تجربة التحليل يوماً ما، أن لا شيء مجّاني، وأنّ كلّ ما يُعطى وما يُؤخذ له ثمن.

ثمنٌ نفسيّ، رمزيّ، أو وجوديّ، لا يُدفع دائمًا بالمال، بل غالبًا بالوجع، وبالتخلّي، وبالقبول بما كان مرفوضًا في الذات.

إنّ وهم المجّانية هو وهم الطفولة المستمرّة، حيث ينتظر المرء أن يُنقَذ، أن يُفهَم بلا كلام، وأن يُحَبّ بلا مقابل.

لكن التحليل النفسي يُسقِط هذا الانتظار، ويعيد الذات إلى موقع المسؤولية: لا شفاء بلا ثمن، ولا عبور بلا خسارة.

 

ثانياً: وهم الاستقرار

لا شيء مستقرّ، وكلّ ما هو كائن متحرّك ومتغيّر.

الذات ليست جوهرًا ثابتًا، بل تاريخًا حيًّا، مليئًا بالانقطاعات والتحوّلات والتناقضات.

من يدخل التحليل بحثًا عن أرض صلبة نهائية، أو هوية مكتملة، أو راحة دائمة، سيصطدم بحقيقة مقلقة:

القلق ليس عارضًا طارئًا، بل جزء من بنية الوجود الإنساني.

التحليل لا يمنح استقرارًا، بل قدرة أكبر على العيش داخل اللااستقرار دون انهيار.

 

ثالثاً: وهم الحقيقة الواحدة

ليس في مجال النفس الإنسانيّة حقيقة واحدة، بل حقائق شخصانيّة تتنوّع بتنوّع فرادة كل شخص.

ما يبدو حقيقةً راسخة عند أحد، قد يكون دفاعًا أو خيالًا عند آخر.

التحليل النفسي لا يبحث عن “الحقيقة” بصيغة المفرد، بل عن سرديّة الذات، عن منطقها الخاص، وعن معناها اللاواعي.

ومن لا يحتمل تعدّد المعاني، والتناقض بين ما يُقال وما يُعاش، لن يحتمل المسار التحليلي.

 

رابعاً: وهم المثال

لا شيء في الوجود الأرضيّ كامل، ولا شيء صالح بالمطلق، ولا شيء جيّد بالمطلق، ولا شيء خيّر بالمطلق.

كلّ ذات هي مزيج من الرغبة والعنف، من الحبّ والكراهية، من البناء والهدم.

وهم المثال هو محاولة يائسة لإنكار هذا التركيب، وللهروب من التناقض البنيوي في النفس البشرية.

التحليل النفسي لا يصنع ذوات مثاليّة، بل ذوات أكثر صدقًا مع تعقيدها، وأكثر قدرة على تحمّل نقصها.

 

خامساً: وهم الحضارة

إن كان من حضارة واعية فينا، فهناك أيضًا غابة من الحيوانات المفترسة:

الأنانيّة، الحسد، النرجسية، الطمع، والعدوان القاتل.

التحليل النفسي لا يجمّل هذه الحقيقة، ولا يحاول إنكارها باسم الأخلاق أو الثقافة.

إنّه يكشف هشاشة القشرة الحضاريّة، وسهولة تصدّعها عند أوّل تهديد.

ومن لا يجرؤ على مواجهة هذا الحيوان الكامن في داخله، سيظلّ أسير وهم التهذيب.

 

ليس التحليل النفسي وعدًا بالخلاص، ولا مشروعًا لإصلاح الذات، ولا طريقًا إلى السكينة الدائمة.

إنّه مسار كشف، ومسؤوليّة، وقطيعة مؤلمة مع الأوهام التي تمنح المعنى الزائف للحياة.

هو انتقال من العيش داخل الحكاية، إلى مواجهة ما فيها من فراغ، ونقص، وتناقض.

ومن يقبل بهذا العبور، لا يخرج أكثر سعادة بالضرورة، بل أكثر وعيًا بثمن أن يكون إنسانًا.

 

من تحمّل تلك الحقائق وتعامل معها، قد تنجح مسيرته التحليليّة. ولكن غالباً ما يفضّل الإنسان الوهم.

 

إ أبو شقرا


Share This Article